في هذا العدد من بشائر العلوم ركز على مواضيع رياضية متشعبة منطلقين من محورٍ تعليمي-تاريخي يستعيد إرهاصات نشأة علم الاحتمالات والإحصاء الرياضي خلال سنوات التأسيس، حين تحوّل الإحصاء من أداة وصفية إلى فرع رياضي تطبيقي يحتل مكانة مركزية في الاقتصاد والفيزياء والعلوم التجريبية. وفي السياق التربوي، تُطرح إشكالية تعثر طلبة السنوات الأولى الجامعية من خلال مفهوم “كيمياء التعلّم” حيث تتفاعل ثلاثة عناصر: الأستاذ، والطالب، والمادة العلمية، ضمن بيئة محفِّزة تضمن جودة الأداء. كما يُبرز في مقال آخر تاريخ الرياضيات بوصفه جزءًا من تاريخ الحضارة الإنسانية، إذ انتقلت المعارف من النقوش الحجرية والألواح الطينية إلى المخطوطات والكتب المطبوعة، مشكلةً رافعةً للتقدم العلمي والثقافي.
ينقلنا المحور الثاني إلى العلوم الطبيعية فيستعرض منهج النظم في علم الفلاحة باعتباره استجابة علمية للأزمات البيئية والمناخية، مقترحًا رؤية تكاملية ترى المزرعة نظامًا اجتماعيًا-بيئيًا مترابطًا يوازن بين الإنتاج والاستدامة. ثم تكشف دراسة جيولوجية لمنطقة شنوة في الجزائر، عن بنية تركيبية متعددة الأطوار، وتميّز بين تشكيلات صخرية تنتمي إلى المجال الداخلي للسلسلة المغاربية وأخرى خارجية.
أما المحور الثالث فيتعمق في قضايا رياضية وفلسفية معاصرة؛ فمسألة إبرة كاكيا تطرح سؤال المساحة الصغرى اللازمة لدوران قطعة مستقيمة دورة كاملة، بما لها من امتدادات في التحليل الرياضي. وتأتي مبرهنتا غودل لعدم الاكتمال لتكشفا حدود النسق الاستنباطي الصوري ونقطة التوتر في الفكر الرياضي الحديث. ويُختتم هذا المحور بدور المعادلات التفاضلية العادية في نمذجة الأنظمة الديناميكية، خاصة في أنظمة التحكم والأنظمة الذكية حيث تمثل الأداة الأساسية لفهم الاستقرار والسلوك طويل المدى.
ويتناول المحور الرابع رهانات الطاقة والتكنولوجيا في الجزائر في ظل التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، مع إبراز الإمكانات الجيومعدنية الاستراتيجية والحاجة إلى استكشاف عميق وتحويل محلي للموارد. وفي مقال آخر، تبرز الأرضيات التكنولوجية الجامعية كجسور بين البحث والسوق، ضمن توجه نحو اقتصاد المعرفة. ونختم المحور بعرض رؤية النظام الوطني للابتكار، وآليات تفعيله، ودور تعبئة الكفاءات الوطنية في الداخل والخارج.
وأخيرًا، يعالج محور الهندسة نماذج تجمع بين الإرث الكلاسيكي والحداثة، من إنجازات أرخميدس وحلزونِه الشهير إلى ثنائية النظام والفوضى في كسوريات ماندلبروت، مرورًا بشجرة فيثاغورس التي تجسد تحولات عميقة في فهم العدد والهندسة، لتتجلى صورة متكاملة لتفاعل العلم عبر العصور.
أما ركن شخصية العدد فيعرفنا برائد الصوتيات العربية الأستاذ السعودي منصور الغامدي. كما يمكن للقارئ الاطلاع في ركن عرض كتاب على تقديم لكتاب "كيف نتعلّم: العلم الجديد للتعليم والدماغ" لصاحبه ستانيسلاس ديهان. تلك هي مواد هذا العدد التي نرجو أن تلبي حاجة عدد كبير من قراء مجلة
بشائر العلوم
وبالله التوفيق.
هيئة التحرير