يُفتتح العدد التاسع عشر من مجلة بشائر العلوم بجملة من المواضيع تغطي أربعة محاور رئيسية، توزعت فيها ثلاثة عشر مقالاً، تتقاطع في مجملها حول همّ معرفي واحد: فَهمُ الظواهر من أجل تمثّل أفضل للعالم والعلم والتربية. وهذا فضلا عن تقديم شخصية العدد -وهو الأستاذ محمد هشام قارة، رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات- وعرض كتاب "أخلاقيات النشر العلمي وإشكاليات الأمانة العلمية" للأستاذ طاهر بوترعة.
يتصدّر المحور الأول، الذي يُعْنى بالتعليمية والتربية، مقال يناقش ظاهرة المشاغبة والإخلال بالنظام في الأقسام الدراسية، متتبعًا أسبابها ومتدرجًا في فهمها من النوع البسيط إلى العدواني العنيف. ويكشف عن التناقض الصارخ بين ما تقدمه التكوينات التربوية النظرية ونصائح الخبرة العملية التي تدعو أحيانًا إلى القسوة والعقاب. ثم ينتقل المقال الثاني إلى الحديث عن الاستراتيجيات العشر للتدريس عالي التأثير. أما المقال الثالث فيأخذنا في دراسة حالة حول تدريس الفيزياء، وتحديدًا تمثيل القوى حيث كشفت التجربة عن مفاهيم خاطئة شائعة لدى الطلاب تتعلق بالتفاعل المتبادل بين الأجسام، مؤكدة أن الترميز التقليدي للقوة قد يكون أداة لكشف هذه التصورات المغلوطة
وفي المحور الثاني، تُعرض أربعة مقالات تتوزع بين تاريخ الرياضيات ومنطقها. يعود المقال الأول إلى سرد الخطوط العريضة لتطور علم الاحتمالات والإحصاء الرياضي، متوقفًا عند اللحظة التي شهدها هذا العلم في النصف الأول من القرن العشرين. ثم ينتقل المقال الثاني إلى الحديث عن المنطق، ناقدًا بعض الاعتقادات السائدة. ويتطرق المقال الثالث لمعيار كوشي في إتمام مجموعة الأعداد الناطقة. أما المقال الرابع فيواصل الجولة التاريخية بمقاربات إضافية.
وفي المحور الثالث "الأحياء والكون" نطالع ثلاثة مقالات تبدأ بنقص فيتامين د، حيث يُعرض هذا الموضوع من زاوية مثيرة، وهي أن الجزائر المشمسة تعرف انتشارًا لهذا النقص. يتبعه مقال حول البلازما، تلك الحالة الرابعة للمادة التي نتحدث عنها منذ عام 1922. ويكتمل المحور بمقال في غاية الجمال عن السدم الكونية، تلك السحب الغريبة التي تبيّن أنها ليست مجرد لوحات فنية كونية، بل محركات التطور المجري ومصانع إعادة تدوير كيميائية تصل بين موت النجوم القديمة وولادة عوالم جديدة.
أما المحور الرابع والأخير، الخاص بالتكنولوجيات والصناعة، فيشمل ثلاثة مقالات نفتتحها برحلة سردية شيّقة عن الكربون، ذلك العنصر البسيط الذي يمتلك قدرة استثنائية على التنوع البنيوي، والذي يصل بنا من الفحم إلى الهواتف الذكية مرورًا بالنيوديميوم. ويتناول المقال الثاني النظام الوطني للابتكار في الجزائر، مقدّمًا قراءة نقدية للفجوة بين الإمكانات البشرية والعلمية والنتائج الفعلية في مؤشر الابتكار العالمي. ويختم المقال الثالث هذا العدد بالحديث عن أساسيات التدريب في الصناعة، متتبعًا جذوره من الحِرف اليدوية إلى الثورة الرقمية، ومؤكدًا أن التدريب المنظم صار ضرورة للبقاء والمنافسة.
وبعد هذا الكمّ المعرفي الذي حملنا بين عوالم متعددة من الأفكار والتجارب والتخصصات، نأمل أن يكون هذا العدد قد نجح في فتح نوافذ جديدة للتأمل والحوار، وأن يكون قد أسهم، ولو بقدر يسير، في إثارة أسئلة جديدة بقدر ما قدّم من أجوبة ورؤى. ويسرّنا بهذه المناسبة أن نشير إلى أن عدد زوار موقع المجلة قد تجاوز 320 ألف زائر، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام الذي تحظى به موضوعات المجلة، ويحمّلنا في الوقت نفسه مسؤولية أكبر لمواصلة تقديم محتوى مفيد يليق بتطلعات قرائنا داخل الوطن وخارجه. وإلى أن نلتقي في عدد جديد، نتقدم بخالص الشكر إلى جميع الكتّاب الذين أثروا المجلة بإسهاماتهم القيمة، آملين أن تتواصل هذه المسيرة العلمية بروح التعاون والانفتاح.
وبالله التوفيق.
هيئة التحرير